السبت، 1 أبريل 2023

 


المحاكم الشرعية مصدر لدراسة تاريخ المدن المصرية إبان العصر العثماني "الإسكندرية نموذجاً"

 

تعد وثائق المحاكم الشرعية مصدراً ثميناً إبان العصر العثماني يغري بقوة لدراسة تطور المدن المصرية، إذ لا ترصد هذه الوثائق تطور المدن المصرية المكاني والحضري فحسب وإنما تحوي كذلك معلومات غزيرة عن الطريقة التي تكونت بها هذه المدن والتغيرات التي حدثت بها وفي أهميتها، كما تبدو غنية أيضاً بالكثير من التفاصيل الدقيقة عن المراحل التي تطورت خلالها الأحياء السكانية للنخب السياسية والاقتصادية داخل هذه المدن.

علي أن إغراء المادة الأرشيفية ليس هو الدافع الرئيس وراء اختيار هذا الموضوع وإنما الإشكاليات المعقدة التي يثيرها والتي لها صلة وثيقة بفهم حقيقة تطور تاريخنا الاجتماعي والاقتصادي في الحقبة العثمانية، ولعل أبرز تلك الإشكاليات المطروحة في الأدبيات والكتابات المعاصرة تتمثل في ميل "منظري التحديث والحداثة" علي نحو دائم إلي افتعال مقارنة بين المدن المصرية والعثمانية وبين نظراتها الغربية، ليخلصوا إلي أن وجود البرجوازيات الأوربية  هو الذي سمح بالتطور والتغير في المدن الأوربية، بينما النمط الإسلامي لم يسمح بوجود طبقات وسطي تضغط من أجل التغيير، وقد تم ذلك دون دراسات موثقة "وعقلانية" لتفسير هذا الواقع.

فقد ورثت الدولة العثمانية عن العالمين الإسلامي والبيزنطي مدناً ضخمة آهلة بالسكان والطوائف الحرفية وكانت هذه المدن أوجلها تدهش الرحالة الأوربيين،  فمن هذا الذي يمكن أن يصدق أن كل هذه المدن القديمة والتي تجدد شبابها أو التي استحدثت والتي كانت قريبة الشبه بالمدن الأوربية واستطاعت أن تزدهر في ظل العثمانيين، تردد عنها إنها كانت متدهورة؟ أو يصدق أن كل ما كان يعد في كل مكان علامة على الازدهار يمكن أن يكون هنا علامة على التدهور لمجرد خضوعه للعثمانيين !!؟.

فنحن في حاجة إلي دراسة تطور هذه المدن وكيف تطورت بها النخب المحلية؟، وعلاقة هذه النخبة بالسلطة، ومجالات استثمارها لأموالها، وعلاقة هذه المدن بالمجال الريفي لها، وتحليل البني الاجتماعية للمدن وفهم الحياة الأسرية والعائلية داخل هذه المدن، والأقليات الأثينية والدينية وكيف عاشت وتعايشت داخل هذه المدن، وكيف تطور النظام الحرفي داخل هذه المدن، وأن تتم هذه المعالجات استناداً إلي الوقائع التاريخية وليس إلي الأطروحات الإستشراقية التي صادرت بأفكارها النظرية علي حقيقة تطور المجتمع المصري إبان تلك الحقبة.

وسوف تعتمد هذه الدراسة علي سجلات المحاكم الشرعية وبخاصة محكمة الإسكندرية، ورشيد وبولاق، بالإضافة إلي سجلات القسمة العسكرية والعربية والباب العالي حيث كانت المحاكم الشرعية ذاكرة المجتمع والإدارة في العصر العثماني؛ فلم تكن مكاناً لفض المنازعات والحكم على الخارجين على القانون والأعراف، بقدر ما كانت تقوم بدور الشهر العقاري والسجل التجاري والعيني، فقد كانت المحكمة أداة لتسجيل الملكيات العقارية والأوقاف وعقود إنشاء الشركات والمؤسسات التجارية، وتسجيل تركات المتوفيين وتحصيل ديونهم أو سداد ما عليهم من تركاتهم، كما كانت المحكمة أداة إشهار وتسجيل للقوانين والأحكام فتسجل بها أسعار السلع المختلفة مما يجسد الحياة اليومية للمجتمع كما أنها سجلت تطورات الحياة الاجتماعية والزواج والطلاق إضافة إلى أنها توضح التطور العمراني والحضري للمدن المصرية، والحق أن هذه المحاكم تجسد مؤسسة حقيقية نمتلك من سجلاتها فعلياً أكبر رصيد وثائقي في بواكير تاريخنا الحديث، لذلك يمكن القول بأن سجلات هذه المحاكم قد تتكامل مع  المخطوطات والمصادر والحوليات العربية في سد الكثير من ثغرات في فهم التطورات التي لحقت بمدننا وبخاصة الإسكندرية إبان هذه الحقبة.
وكان المسيحيون يكسبون قضايا قانونية ضد مسلمين، حيث كانوا يفضلون اللجوء الى المحاكم الشرعية عن اللجوء الى المحاكم الشرعية، لأن المحاكم السنّية كانت أسرع في إصدار الأحكام والأوفر من ناحية التكاليف حيث كانت تسمح للنساء بالحصول على حصة أكبر من الميراث. كما كان يتم اللجوء الى تلك المحاكم أيضاً في حالات النزاع بين الأزواج.



 

                                 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق